فصل: (مسألة:الأكل قبل صلاة الفطر)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: استخلف من دخل معه ولم يعلم أنها ثانية]

ذكر الطبري في "العدة": إذا استخلف الإمام رجلًا دخل معه في الصلاة، فلم يدر الخليفة أنها ثانية الإمام ليجلس، أو ثالثته ليقوم؛ لأن عليه أن يراعي نظم صلاة الإمام... فذكر صاحب " التلخيص " فيه قولين:
أحدهما: أنه يلاحظ القوم، فإن تأهبوا للقيام... قام، وإن تأهبوا للقعود قعد؛ لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا من جهتهم.
والثاني: لا يجوز ذلك حتى يعلم، فإما أن يقلدهم، وإلا فلا.
قال الشيخ أبو علي السنجي: وليست هذه المسألة للشافعي، وإنما هي لأبي العباس بن سريج، وفيها وجهان:
الصحيح: أنه يلاحظ القوم؛ لأنه يجوز أن يقلد الإمام وحده، فالجماعة أولى، وإنما القولان للشافعي: إذا سبح القوم للإمام ينبهونه على السهو، وهو لا يذكر... فهل يقلدهم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقلدهم، بل يبني على يقين نفسه، وهذا هو المشهور.
والثاني: إن كانوا جمعًا كثيرًا بحيث لا يقع عليهم الخطأ... قلدهم؛ لحديث ذي اليدين مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ومن قال بالأول... قال: لم يقلدهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما تنبه بقولهم، فرجع إلى يقين نفسه.

.[فرع: لو صلى إمام الجمعة جنبًا ثم تذكر]

قال في "الفروع": قال الشافعي في "الأم": (إذا صلى الإمام الجمعة، فذكر أنه كان جنبًا، فإن كان الأربعون تموا به... لم تصح الجمعة، وإن تموا دونه انعقدت لهم الجمعة).
ولو أدرك رجل ركوع الركعة الثانية في هذه المسألة... كان مدركًا للجمعة، قياسًا على ما نص عليه.
وقال ابن القاص: لا يكون مدركًا، وكذلك سائر الصلوات؛ لأن الإمام لم تصح صلاته، فلم تصح صلاة من تحمل عنه القراءة. قال: وقد قيل في الجمعة خاصة: أنها لا تصح خلف الجنب؛ لأن الإمام شرط فيها.

.[فرع: صلى الجمعة أربعون محدثون]

فلو صلى الجمعة بأربعين، فبان أنهم محدثون... فإن صلاة الإمام صحيحة إذ كان متطهرًا؛ لأنه لم يكلف العلم بطهارة من خلفه.
وأما المحدثون: فتلزمهم الإعادة؛ لأنهم كلفوا العلم بأنفسهم.
وإن بان أنهم عبيد أو نساء وجبت الإعادة على جميعهم؛ لأن له طريقًا إلى العلم بذلك.

.[مسألة:تقام الجمعة بإذن الإمام]

يستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام؛ لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، فإن أُقيمت بغير إذنه... صحت، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: (لا تصح إقامتها إلا بإذن الإمام أو الوالي من قبله).
وحكى بعض أصحابنا: أن هذا قول الشافعي في القديم، وليس بمشهور.
وقال محمد: إن مات الإمام، فقدم الناس رجلًا يصلي بهم الجمعة... جاز ذلك؛ لأن ذلك موضع ضرورة.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر... فعليه الجمعة». ولم يفرق بين أن يكون فيها إمام أو لم يكن.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «سيأتي بعدي أُمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبحة». ولم يفرق بين الجمعة وغيرها.
وروي: (أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة بالكوفة، فصلى بهم ابن مسعود الجمعة). ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ولأنها صلاة، فجاز إقامتها بغير إذن الإمام، كسائر الصلوات.

.[مسألة:لا تعدد الجمعة]

قال الشافعي: (ولا يجمع في مصر وإن عظم، وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد).
وقال عطاء، وداود: (يجوز إقامة الجمعة في كل مسجد، كسائر الصلوات).
وقال أبو يوسف: إذا كان البلد جانبين، وفي وسطه نهر عظيم يجري، مثل: مدينة السلام، وواسط... جاز أن يصلى في كل جانب في مسجد واحدٍ الجمعة، وبه قال أبو الطيب بن سلمة من أصحابنا.
وقال محمد بن الحسن: القياس: أنها لا تقام إلا في مسجدٍ واحدٍ، ولكن يجوز إقامتها في مسجدين في البلد استحسانًا، ولا يجوز في ثلاثة مساجد، وأهل الخلاف يذكرون: أن مذهب أبي حنيفة فيها كمذهبنا.
قال الشيخ أبو حامدٍ: والذي يدل عليه كلام الشافعي: أن مذهب أبي حنيفة كمذهب محمد.
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء من بعده، ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فإن قيل: فقد دخل الشافعي بغداد، ورأى الناس يصلون الجمع في جامع المنصور، وفي جامع المهدي، ولم ينكر عليهم.
فالجواب: أن هذا موضع اجتهاد، وليس لبعض المجتهدين أن ينكر على بعضٍ.
واختلف أصحابنا في بغداد:
فقال القاضي أبو الطيب بن سلمة: إنما أراد الشافعي إذا كان المصر جانبًا واحدًا، فأما إذا كان البلد جانبين، ويجري فيهما نهر، كبغداد: جاز في موضعين؛ لأنه كالبلدين.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان كالبلدين... لوجب أن يجوز له القصر إذا سافر من أحد الجانبين، وإن لم يعبر الآخر.
وقال بعض أصحابنا: إنما أراد الشافعي: لا تقام إلا في مسجد واحدٍ إذا كان البلد مبنيًا بلدًا واحدًا من أصله، فأما إذا كانت قرى متفرقة، ثم اتصلت العمارة: جاز أن تقام الجمعة في القرى التي كانت قبل الاتصال، ومدينة السلام بهذه الصفة.
ومن أصحابنا من قال: إنما أراد الشافعي: إذا لم يكن عليهم مشقة في الاجتماع في مسجد واحدٍ.
فأما إذا كانت عليهم مشقة في الاجتماع بمسجدٍ واحدٍ: جاز إقامتها في مساجد؛
لأن البلد قد تكون فراسخ، ولا يمكنه الوصول إلى الجامع، إلا بالسعي قبل الفجر، فسقط هذا.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ولا يوافق شيء من هذه التأويلات كلام الشافعي؛ لأنه قال: (لا يُجمع في مصرٍ، وإن عظم، وكثر أهله، إلا في مسجدٍ واحدٍ).

.[مسألة:جمعتان في البلد]

وإن أُقيمت جمعتان في بلدٍ في الموضع الذي نقول: لا تصح، فإن لم تكن لإحداهما على الأخرى مزية، بأن أقيمتا بإذن الإمام، أو أقيمتا بغير إذنه... ففي هذا خمس مسائل:
إحداهن: إذا سبقت إحداهما الأخرى... فالأولى صحيحة، والثانية باطلة؛ لأن الأولى أُقيمت بشروطها، فمنعت صحة الثانية، وبماذا يعتبر السبق؟
حكى الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" قولين، وأكثر أصحابنا يحكيهما وجهين:
أحدهما: يعتبر السبق بالإحرام بالصلاة، وهو الصحيح؛ لأن الأولى إذا انعقدت... لم تنعقد بعدها أخرى.
والثاني: يُعتبر السبق بالفراغ من الصلاة؛ لأن الفساد قد يطرأ عليها بعد الإحرام، وبعد الفراغ لا يطرأ عليها الفساد، هكذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: يعتبر السبق بالابتداء بالخطبة.
والثاني: بالابتداء بالصلاة.
المسألة الثانية: إذا أحرموا بهما في حالةٍ واحدةٍ... حكم ببطلانهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الأخرى.
المسألة الثالثة: إذا لم يُعلم، هل سبقت إحداهما الأخرى، أو كانتا في وقتٍ واحد... حكم ببطلانهما؛ لما ذكرناه في التي قبلها، ويجب عليهم أن يعيدوا فيهما الجمعة، إن كان الوقت واسعًا.
المسألة الرابعة: إذا علم أن إحداهما سابقة، ولكن لا يعلم عينها، مثل: أن يُسمع تكبير أحدٍ من الإمامين في الإحرام، إذا قلنا: الاعتبار بالسبق بالإحرام، ثم كبر الثاني، ولم يعلم من المكبر أولًا.
المسألة الخامسة: إذا علم عين السابقة، ثم نسيت، مثل: أن علم عين المكبر أولًا، ثم نسي... فالحكم في هاتين المسألتين واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان.
وقال المزني: هما صحيحتان؛ لأنهم قد أدوا ما كلفوا في الظاهر، فلا يبطل ذلك بالشك، كما لو صلى، ثم وجد على ثوبه نجاسة لا يعلم هل أصابته قبل الصلاة، أو بعدها؟ وهذا غلط؛ لأنا نعلم لا محالة: أن إحداهما باطلة، والأخرى صحيحة، وإذا لم يُعلم عين الصحيحة من الباطلة، فالأصل بقاء الفرض في ذمتهم، ويفارق النجاسة؛ لأن هناك الصلاة قد صحت في الظاهر، فلا تبطل بالشك.
إذا تقرر أنهما تبطلان... فما الذي يقضي الناس؟ فيه قولان:
أحدهما: يقضون الجمعة؛ لأنهما إذا بطلتا... صار كأن لم يقم في المصر جمعة، فوجب عليهم إقامتها.
والثاني: يقضون الظهر أربعًا؛ لأن الجهل بعين السابقة ليس بجهل في أن إحداهما سابقة، وقد علمنا يقينًا، بأن الجمعة قد أقيمت في المصر مرة، فلا يجوز إقامتها مرة ثانية فيه.
هذا إذا تساوت الجمعتان، وإن كان لإحداهما مزية على الأخرى، بأن كان في إحداهما الإمام الراتب، وهو الإمام الأعظم، فإن كان مع الأولى... فالأولى هي الصحيحة؛ لأنها أولى، ولأن فيها الإمام الأعظم، وإن كان الإمام في الثانية... ففيه قولان:
أحدهما: أن الأولى هي الصحيحة.
قال ابن الصباغ: وهو المشهور؛ لأن الإمام ليس بشرطٍ عندنا في الجمعة، فلا تبطل بجمعة بعدها.
والثاني: أن الصحيحة هي جمعة الإمام؛ لأن في تصحيح الأولى افتياتًا على الإمام؛ لأن ذلك يؤدي إلى أنه متى شاء أربعون رجلًا... أقاموا الجمعة قبل الإمام؛ ليفسدوا على أهل البلد صلاتهم.
هذا الحكم في المسألة الأولى من الخمس المسائل، إذا كان في إحداهما الإمام.
وأما الحكم في المسائل الأربع، وهو إذا عقدتا في وقتٍ واحدٍ، ولم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى؟ أو هل كانتا في وقتٍ واحدٍ؟ أو علم سبق إحداهما، ولم تتعين، أو علمت السابقة، ونُسيت، وكان الإمام في إحداهن:
فإن قلنا: إن الثانية إذا كان فيها الإمام هي الصحيحة... فجمعة الإمام في هذه الأربع هي الصحيحة حيث كانت.
وإن قلنا في الأولى: إن الجمعة الأولى هي الصحيحة، وجمعة الإمام إذا كانت ثانية هي باطلة... فالحكم في هذه المسائل الأربع حكم ما لو لم يكن في واحدةٍ منهما الإمام على ما ذكرناه. وبالله التوفيق.

.[باب صلاة العيدين]

صلاة العيدين الأصل في ثبوتها: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].
قال بعض أهل التفسير: أراد به الصلاة التي يتعقبها النحر، وهي صلاة الأضحى.
وأما السنة: فروى أنس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟، فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: إن الله قد أبدلكم بخير منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى».
وأما الإجماع: فإن المسلمين أجمعوا على ثبوتها.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي: (ومن وجب عليه حضور الجمعة... وجب عليه حضور العيدين).
واختلف أصحابنا في هذا:
فقال أبو سعيد الإصطخري: صلاة العيدين فرض على الكفاية - فيكون تأويل كلام الشافعي عنده: من وجب عليه حضور الجمعة فرض عين... وجب عليه حضور العيدين فرض كفاية، وهو مذهب أحمد بن حنبل - لأنها صلاة يتوالى فيها التكبير في القيام، فكانت فرضًا على الكفاية، كصلاة الجنازة.
وقال عامة أصحابنا: هي سنة. فيكون تأويل كلام الشافعي عندهم: ومن وجب عليه حضور الجمعة حتمًا... وجب عليه حضور العيدين ندبًا.
وقال أبو حنيفة: (هي واجبة، وليست بفرض).
ودليلنا: «قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي: خمس صلوات كتبهن الله تعالى على عباده، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع».
ولأنها صلاة ذات ركوعٍ وسجودٍ، لم يسن لها الأذان بوجهٍ، فلم تكن واجبة بالشرع، كصلاة الاستسقاء.
فقولنا: (ذات ركوع) احتراز من صلاة الجنازة.
وقولنا: (لم يسن لها الأذان) احتراز من الصلوات الخمس في مواقيتها.
وقولنا: (بوجهٍ) احتراز من الفوائت؛ لأنه لا يؤذن للثانية منها، ولكنه قد يسن لها الأذان بوجهٍ، وهو في وقتها.
وقولنا: (بالشرع) احتراز من النذر.
وأما قول الإصطخري: يتوالى فيها التكبير: فينتقض بصلاة الاستسقاء، فإن اتفق أهل بلدٍ على تركها... قوتلوا على تركها على قول الإصطخري، وهل يقاتلون على تركها على قول عامة أصحابنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يُقاتلون؛ لأنها نفل، والإنسان لا يُقاتل على ترك النفل.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنهم يُقاتلون؛ لأنها من الأعلام الظاهرة في الشرع، وفي الاجتماع على تركها نقص ظاهر في الدين.
قال ابن الصباغ: وعندي: أن هذا القائل رجع إلى قول الإصطخري، لأنه إذا جاز للإمام أن يقاتلهم... لحقهم بذلك الإثم والقتل، ولا يستحقون مثل ذلك إلا عن معصيةٍ، وإذا كانوا عاصين بتركها كانت واجبة؛ لأن حد الواجب: ما أثم بتركه.

.[مسألة:وقت صلاة العيد]

وأول وقت صلاة العيد: إذا طلعت الشمس، وتم طلوعها.
والمستحب: أن يؤخرها حتى يرتفع قيد رُمح.
وآخره: إذا زالت الشمس.
والمستحب: أن يؤخر صلاة عيد الفطر عن أول الوقت قليلًا، ويصلي الأضحى في أول وقتها: لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى عمرو بن حزم: أن آخر صلاة الفطر، وعجل صلاة الأضحى، وذكر الناس» ولأن الأفضل إخراج الفطرة قبل الصلاة، فأخرت الصلاة؛ ليتسع الوقت لذلك، والسنة: أن يضحي بعد الصلاة، فقدمت؛ ليرجع إلى الأضحية.

.[مسألة:الصلاة في المكان الأرفق]

قال الشافعي: (وأحب للإمام أن يصلي بهم حيث أرفق لهم).
وجملة ذلك: أنه إذا كان مسجد البلد ضيقًا... فالمستحب أن يصلي العيد في المصلى، فإن كان المسجد واسعًا فالأفضل أن يصلي العيد في المسجد، والأصل فيه: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي العيد في المصلى»، وإنما كان كذلك؛ لأن مسجد المدينة كان صغيرًا لا يسع الناس، وكان الأئمة يصلون العيد بمكة في المسجد؛ لأنه واسع.
وقال مالك: (الأفضل أن يصلي العيد في المصلى بكل حالٍ).
دليلنا: ما ذكرناه.
فإن صلى العيد في المصلى في غير يوم المطر، مع اتساع المسجد... لم يكره.
وإن صلى في المسجد مع ضيقه في غير يوم المطر... كره.
وإنما كان كذلك؛ لأنه إذا صلى في المسجد مع ضيقه، ربما فات على بعض الناس للصلاة، وإذا عدل إلى المصلى مع اتساع المسجد... لم يفت على أحد شيء من الصلاة، وإن كان قد ترك الأفضل.
وإن كان في البلد مطر... فالأفضل أن يصلي العيد في المسجد وإن كان ضيقًا؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى العيد في يوم مطر في المسجد».
وكذلك روي عن عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وإذا صلى في المصلى، وكان في البلد ضعفاء لا يقدرون على الخروج إلى المصلى... استُحب للإمام أن يستخلف من يصلي بهم في المسجد في البلد؛ لما روي: (أن علي بن أبي طالب استخلف أبا مسعود الأنصاري يصلي العيد بضعفة الناس في المسجد).

.[مسألة:الأكل قبل صلاة الفطر]

والمستحب: أن يطعم يوم الفطر قبل الصلاة.
قال الشافعي: (فإن لم يطعم في بيته، ففي الطريق، أو في المصلى إن أمكنه ذلك، فأما في الأضحى: فيستحب له ألا يطعم شيئًا حتى يرجع)؛ لما روى بريدة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع، فيأكل من نسيكته».
وقال ابن المسيب: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة، ولا يفعلون ذلك يوم النحر، وإنما فرق بينهما؛ لأن السنة: أن يتصدق يوم الفطر قبل الصلاة، فاستحب له الأكل؛ ليشارك المساكين في ذلك، والصدقة يوم النحر بعد الصلاة وقبلها، فلم يستحب الأكل فيها.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهما؛ لأن ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل، فندب إلى الأكل قبل الصلاة؛ ليتميز عما قبله، وفي يوم الأضحى: لا يحرم الأكل فيما قبله، فأخر الأكل إلى ما بعد الصلاة؛ ليتميز عما قبله.
والسنة: أن يأكل في يوم الفطر تمرات وترًا: إما ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر، لما روى أنس: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك).

.[مسألة:الغسل للعيد]

ويُسن الغسل للعيدين؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في جمعة من الجمع للناس: «إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين، فاغتسلوا فيه، ومن كان عنده طيب... فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك».
وروي عن علي، وابن عمر: (أنهما كانا يغتسلان في يوم الفطر والأضحى).
ولأنه يوم يجتمع فيه الكافة للصلاة، فسن فيه الغسل، كيوم الجمعة، فإن اغتسل بعد طلوع الفجر... أجزأه بلا خلاف، وإن اغتسل قبل طلوع الفجر ففيه قولان: أحدهما: لا يُجزئه، كغسل الجمعة.
والثاني: يجزئه؛ لأن صلاة العيد تفعل قريبًا من طلوع الشمس، وقد يقصدها الناس من البعد.
فلو قلنا: لا يجوز الغُسل قبل الفجر... لأدى إلى تفويتها عليهم بالغسل.
فإذا قلنا بهذا: فإن القاضي أبا الطيب، والشيخ أبا إسحاق قالا: يجوز في النصف الثاني من الليل، ولا يجوز في الأول، كما قلنا في أذان الصبح.
قال ابن الصباغ: ويحتمل أيضًا أن يجوز في جميع الليل، كما تجوز النية للصوم.
والفرق بينه وبين الأذان للصبح: أن النصف الأول في وقتٍ مختارٍ للعشاء، فربما ظن السامع أن الأذان لها بخلاف الغسل.
ويستحب أن يتطيب، ويستاك؛ لما ذكرناه في الخبر، وروي عن الحسن بن علي: أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نتنظف ونتطيب بأجود ما نجد في العيد».
ويستحب أن يتنظف، ويقلم أظفاره، ويحلق الشعر - كما قلنا في يوم الجمعة - ويلبس أحسن ثيابه، ويعتم؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يلبس في العيدين بُرد حبرة».
ويستحب ذلك لمن يريد حضور الصلاة، ولمن لا يريد حضورها؛ لأن المقصود إظهار الزينة والجمال، فاستحب ذلك لمن حضر الصلاة، ولمن لم يحضر.

.[مسألة:حضور النساء وغيرهن العيد]

والمستحب: أن تحضر النساء غير ذوات الهيئات: لما روت أم عطية: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد، وأما الحيض: فكن يعتزلن المُصلى، وتشهدن الخير ودعوة المسلمين» ويتنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن الشهرة من الثياب، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات»، أي: غير مُتطيبات، والتفلة، والمتفال: هي التي غير متطيبة، قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ** تميل عليه هونة غير متفال.

ولأن ذلك يدعو إلى الافتنان بها.
ويستحب أن يحضر العبيد والصبيان، قال أصحابنا: إلا أن سُنة العيد لا تتأكد في حق العبيد والنساء والصبيان، كما تتأكد في حق الذكور البالغين الأحرار.
ويزين الصبيان بالمصبغ والحرير والحلي من الذهب وغيره، ذكورًا كانوا أو إناثًا؛ لأنهم غير مكلفين.

.[مسألة:التبكير لغير الإمام]

والمستحب لغير الإمام: أن يبكر إلى المصلى، كما قلنا في الجمعة، ويمشي إليها، ولا يركب؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما ركب في عيد ولا جنازة»، ولأنه إذا ركب... زاحم الناس بدابته وآذاهم، وربما بالت دابته في الطريق، أو راثت، فتتلوث به نعال الناس، ولأنه إذا مشى كثر ثوابه بكثرة خطواته، إلا أن يكون به ضعف، فلا بأس بالركوب في ذهابه.
قال الربيع: هذا في الذهاب.
فأما في الرجوع: فإن شاء... مشى، وإن شاء ركب.
قال أصحابنا: هذا صحيح؛ لأنه غير قاصد إلى قربةٍ، إلا أن يتأذى الناس بمركوبه، فيكره له ذلك؛ لما يلحق الناس من الأذى.
وأما الإمام: فالسنة له: أن لا يخرج إلا في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة؛ لما روى أبو سعيد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:كان يخرج في العيد إلى المصلى، ولا يبتدئ إلا بالصلاة»، ولأن هذا أكثر في جماله وزينته من أن يخرج، ويجلس لانتظار الناس؛ لأن المأموم ينتظر الإمام، والإمام لا ينتظر المأموم.

.[مسألة:السنة لصلاة العيد]

ليس لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها؛ لأنها نافلة، والنافلة لا إتباع لها.
إذا ثبت هذا: فإن الإمام يُكره له أن يتنفل قبلها وبعدها؛ لما روى ابن عباس:«أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الأضحى ركعتين، ولم يتنفل قبلها ولا بعدها»، ولأن الإمام يُقتدى به، فإذا صلى قبلها أو بعدها... أوهم أن ذلك سنة لها، ولا سنة.
وأما المأموم: فيجوز له أن يتنفل قبلها وبعدها في بيته، وفي طريقه، وفي مُصلاه، وروي ذلك: عن أنس، وأبي هريرة، وسهل بن سعد الساعدي.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: تكره النافلة قبلها، ولا تكره بعدها.
وقال مالك، وأحمد: (تكره قبلها وبعدها).
وعند مالك في المسجد روايتان.
دليلنا: أن هذا وقت للتنفل في غير هذا اليوم، فلم يكره في هذا اليوم، كسائر الأيام.
قال الشافعي:وقد روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يغدو يوم الفطر والأضحى يمشي في طريق، ويرجع في أخرى على دار عمار بن ياسر».
وقد اختلف الناسُ في تأويل فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
فقيل: إنه كان يخرج في طريق بعيدٍ، ويرجع في طريقٍ قريبٍ؛ لكي يكثر ثوابه؛ لأن ذهابه قُربة، ورجوعه ليس بقربة.
وقيل: لأنه كان يذهب في طريق، فيتصدق فيه على الفقراء والمساكين، فلا يبقى معه شيء، فيكره أن يرجع في ذلك الطريق، فيسأله سائل، ولا شيء معه، فيرده.
وقيل: بل كان يتصدق على أهل ذلك الطريق في ذهابه، ثم يرجع في أخرى؛ ليتصدق على أهله في رجوعه.
وقيل: أراد: ليشرف أهل الطريق الأول برؤيته، ويرجع في أخرى؛ ليُشرف أهلها، فيساوي بين أهل الطريقين.
وقيل: أراد: ليشهد له الطريقان.
وقيل: أراد: ليسأله أهل الطريقين عن الحلال والحرام.
وقيل: إنه كان يقصد بذلك غيظ المنافقين.
وقيل: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوقى كيد المنافقين؛ لئلا يرصد في الطريق الأول.
وقيل: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصد به الفأل في تغيير الحال على نفسه، رجاء أن يغير الله تعالى على الأمة حالها إلى الأجر والثواب، كما حول رداءه في الاستسقاء.
وقيل: إنه كان يخرج في طريقٍ، فيخرج معه خلق كثير، فتكثر الزحمة، فإذا أراد الرجوع، انتظره الناس على ذلك الطريق؛ لكي يرجعوا معه، فكان يرجع في طريق أخرى، ويعدل عن الأول؛ لكي لا تكثر الزحمة، فيتأذى الناس بالازدحام.
قال الشيخ أبو حامد: ويشبه أن يكون هذا بعد الأول أشبه؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق، ويرجع من أخرى»؛ لكي لا يكثر الزحام.
إذا ثبت هذا في النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فما حكم غيره من الناس؟ قال الشافعي: أُحب ذلك للإمام والمأموم.
واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: إن لم يعلم المعنى الذي كان يفعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأجله... اقتدى به، اتباعًا للسنة، وإن علم المعنى الذي فعله لأجله، فإن كان موجودًا فعل كفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن لم يكن موجودًا... لم يفعل.
قال أبو علي بن أبي هريرة: يفعل كفعله ذلك، سواء علم المعنى الذي فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأجله، أو لم يعلم، وسواء كان موجودًا أو غير موجودٍ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد يفعل ذلك لمعنى، ثم يزول ذلك المعنى، وتبقى السنة فيه، كما قلنا في الرمل والاضطباع، وذلك؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم مكة معتمرًا... قال المشركون: أما ترون أصحاب محمد قد أنهكتهم حُمى يثرب، فأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرمل والاضطباع بالطواف والسعي؛ ليريهم الجلد والقوة»، ثم صارت مكة دار إسلام، وزال ذلك المعنى، ولم تزل السنة في الرمل والاضطباع.